يوم الأربعاء 23/05/2018

أن تكون معلماً للتربية غير العادية | بقلم نبال مرعي -شمس

بقلم: نبال مرعي - شمس,
تاريخ النشر 2017-12-05 12:02:29

ما معنى ان تكون مربيا للتربية الخاصة أو للتعليم المُصحح او معلما للدمج او حتى معلما لطلابٍ في ضائقة؟ ورقتي لا تحمل تعريفا علمياً، بل تحمل تجربة إنسانية وليدة لحظات صعبة واحياناً جميلة

أن تكون معلماً للتربية غير العادية
(أنا أدعم ذوي الاحتياجات الخاصة في يومهم العالمي)
 
ما معنى ان تكون مربيا للتربية الخاصة أو للتعليم المُصحح او معلما للدمج او حتى معلما لطلابٍ في ضائقة؟  ورقتي لا تحمل تعريفا علمياً، بل تحمل تجربة إنسانية وليدة لحظات صعبة واحياناً جميلة، اكتشفتها انا وطلابي سوية، فربما تكون وعياً او ثقافة عامة اكتسبتها من خلال دراستي واطلاعي المستمر لما كُتب ويكتب من دراسة هنا وهناك، او لِما قرأتُ من كتبِ كتبتها بعض الأنامل لذوي احتياجات خاصة في مجال التوحد والعسر التعليمي ومتلازمة داون وتوريت وغير ذلك، وما أفقر مكتبتنا العربية لهذا المنحى من النصوص. باختصار، عندما أكتب لأجلهم اشعر بأن حبري يتصالح معي ينهمر كالمطر بلا توقف، يكتب بصورة عشوائية ويعيش حالةِ سكينة. 
لم أتأمل ماهية العمل يوما، لم أتأمل التقنيات الحديثة او الاستراتيجيات التعليمية بقدر ما تأملت الانسان الذي يقطن بداخل كل فرد من هؤلاء الطلاب، انطلاقتي معهم لا تبدأ بورقة رسمية او تشخيص نفسي او طبي او حتى قرار لجنة ما، بل من الانسان نفسه ومن الطالب ذاته، من قدراته، مشاعره، نقاط قوته، نجاحاته، هفواته وقصة حياته التي هو بطلها. مُهمة بناء جسر تواصل معهم ليست بمهمة مستحيلة أو صعبة فعند شعورهم بالأمان والاحتواء والتفهم واحترام قدراتهم يجدون متسعا للتعلم رغم صعوباتهم.
 أحيانا أخربش في دفاتر تحضيري بعض الاستراتيجيات التعليمية، لكنهم يثيرون ذهولي كل يوم من جديد بطرق ابتكروها لأنفسهم، أحيانا اجيد فهمها وأحيانا تأخذ كل طاقاتي كي أفهم كيف يفكرون أو ماذا يترجم دماغهم النص والصور والحياة، لكني أدرك عصارة تجاربهم مع المواد التعليمية وأعي تماما ان التربية الخاصة ليست تنمية مهارات فحسب بل هي حبّ الانسان والايمان بقدراته، بموطن قوته، بضعفه، بسلوكه، بظروفه ومحاولة تحسينها.
أن تكون مربيا للتربية غير العادية معناه ان تدخل عالمهم وتنتعل أحذيتهم وتعيش مصائبهم  وتشعر مشاعرهم ، أن تخرج معهم في رحلة بحث عن صديق او أصدقاء، أن تعلمهم فن التجاهل من سخرية أقرانهم، أن تحرر خوفهم ومخاوفهم الى الفضاء كي تجد متسعا لتعليمهم. أن تخترع وتبتكر أي طريقة لتحرر مشاعرهم وتناقشها بينك وبين نفسك، وهذا ليس بالأمر السهل  فالطالب في التربية غير العادية  يخفي مفتاح عالمهِ بإحكام وحنكة، فإما ان تبحث عن هذا المفتاح واما ان تُبقي هذا الطالب محتفظا بجميع مفاتيحه وصعوباته. كلماتي هذه وليدة ساعات قضيتها معهم وفي صحبتهم، فرحت معهم وحزنتُ معهم وقفتُ وركضتُ وغنيّتُ ، ثرتُ وصرختُ وقلقتُ معهم، ففي التربية الخاصة تتعدد المفترقات والبوصلة أنت حاملها.
ان تكون معلما للتربية الخاصة يعني ان تكون واعيا ومدركا لأيدولوجية المكان والبيئة المحيطة فهم أبرياء من خطيئتها في حقهم وقمعها لهم، عليك ان تكون واعيا لبيروقراطية المؤسسات، وفهم ما وراء تلك العوالم، فذلك سيجعلك اكثر صبراً واكثر حنكة واكثر تقبلاً للإخفاقات. 
أن تكون معلما لطلاب في ضائقة هو اعتراف خطيّ ورسميّ بأنك على مفترق الإنسانية، فإما ان تنمّي وتصقل شخصية لمجرم واما ان تصقل شخصية لإنسان قابل للتعلم من الصعاب ومن جرائم البيئة في حقه، وهذا بحد ذاته بحاجة الى تَعلم وتجربة وإدراك وتخيل ووعي بالمصيبة ونتائجها قبل وقوعها. عليك تكون فنانا في جمع نجاحاتهم، باحثاً عن الانسان الذي يسكنهم عليك أن تكون مسالما، محاربا، متكلما، منصتا، متأملا، ممثلا، صديقا، طبيبا، باختصار ان تمارس عشرات المهن تحت مهنة واحدة.